Posted by: hamede | January 6, 2009

عندما تحيل إسرائيل معاهدة السلام إلى خنجر لطعن أمن واستقرار المملكة

رنا الصباغ

تصادف اليوم الذكرى الرابعة عشرة لمعاهدة سلام مع إسرائيل أنهت ستة عقود من حالة اللاحرب واللا سلم وكان من المفترض أن تفضي إلى سلام “حار” تفتح الباب أمام تطبيع العلاقات بين الحكومات والشعوب.

 

كانت تلك ثاني معاهدة يبرمها بلد عربي مع إسرائيل بعد المعاهدة المصرية-الإسرائيلية عام 1979 وذلك في إطار مسيرة تسعى لتوسيع جبهة السلام لتضم لبنان وسورية, وفي المحصلة كسر الحاجز الأيديولوجي بين العرب وإسرائيل.

بين المعاهدتين جاء “اتفاق اوسلو” بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1993 تتويجا لمسار تفاوضي سري أخفاه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عن الأردن مع أن الأخير رصف طريق إشراك الفلسطينيين إلى مؤتمر السلام في مدريد عام 1991 على صهوة وفد مشترك. اتفاق أوسلو سرّع من إصرار الأردن على إنجاز معاهدة لحماية مصالحه الاستراتيجية من المخاطر المتربصة غرب النهر.

اليوم لا تزال المعاهدة مادة خلافية في الاردن, حيث ما تزال غالبية الأوساط الشعبية تعارضها على قاعدة انها “صلح منفرد” مع اسرائيل يحيد الاردن, كما أخرج مصر من قبلها عن الإطار الأوسع للصراع العربي-الإسرائيلي. المعاهدتان, برأي تلك الفئات, فتحت الباب أمام سلسلة من التنازلات أعقبتها انهيارات ما كانت لتقع لو بقيت الجبهة العربية موحدة.

علاوة على ذلك ما تزال الأوساط الأردنية الرافضة والمتحفظة على المعاهدة ترى أنها لا تلبي الاحتياجات الاستراتيجية الاردنية العليا, رغم انها أعادت للمملكة أرضها المحتلة في الباقورة والغمر, وغالبية حقوقها المائية المسروقة. كما رسمت للمرة الأولى, ولو جزئيا بانتظار إنجاز الاستحقاق الفلسطيني في الضفة الغربية, حدود الأردن الغربية “دون المساس بوضع الأراضي التي احتلتها إسرائيل »الضفة الغربية« في حرب ,1967 وتضمنت إقرارا بدور الأردن الخاص في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس وبندا يتعلق بمعالجة موضوع اللاجئين ضمن سياق إقليمي وتحت مظلة الشرعية الدولية.

في مقابل جبهة المعارضة الواسعة كان وما زال للمعاهدة مؤيدون يرون بأنها حمت الأردن من مطامع إسرائيل التوسعية عبر ترسيم الحدود, كما أغلقت الباب أمام الطرح المرتبط بالخيار الأردني ومؤامرات الوطن البديل, وطرحت أيضا حلا لوضع اللاجئين بالاستناد إلى القانون الدولي, وهو أمر يفسره المؤيدون, بأنه إقرار بحق عودة اللاجئين وتعويضهم فضلا عن حق الاردن كدولة مضيفة منذ عام 1948 بتلقي تعويضات من اسرائيل لقاء مسؤوليتها الدولية الناتجة عن طرد اللاجئين (1948) والنازحين (1967) إلى الاردن.

وتذهب هذه الفئة إلى المجادلة بأن المعاهدة أعادت تأهيل الأردن أمريكيا وغربيا ثم خليجيا بعد ان وقف في وجه العمل العسكري المدمر لإخراج العراق من الكويت عام .1991 الجفاء الغربي-الخليجي في تلك الحقبة حسر المساعدات الاقتصادية والمالية, اللازمة لسد العجز في الموازنة.

يقول المؤيدون إن المعاهدة أفضت لإعفاء الأردن من ديون أمريكية وأوروبية كما أسست لإنشاء مناطق صناعية مؤهلة سمحت للأردن بدخول البضائع المصنعة في تلك المناطق إلى السوق الأمريكية بعيدا عن الحواجز الجمركية, وسهلّت أيضا وصول الأردن إلى اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة واتفاقية شراكة مع الاتحاد الاوروبي وفتحت الباب امام مشاريع استثمارية واعادت تدفق المساعدات الاقتصادية والمالية.

اليوم تراجع بشكل حاد ما تبقى من منسوب المؤيدين للمعاهدة ولمزاياها الاستراتيجية في صيانة أمن واستقرار الأردن, على خلفية العثرات التي اعترضت سبيل مفاوضات السلام على المسار الفلسطيني ثم حالة الجمود التام والتراجع الحاد التي اصابتها خلال ولايتي الرئيس جورج بوش الابن.

هذه الادارة التي تبنت موقفا منحازا لكل السياسات الإسرائيلية المعطلة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وسكوتها على مخالفات بل جرائم إسرائيل الجسيمة لعملية السلام وأسسها ومرجعياتها بما في ذلك اتخاذ إسرائيل تدابير أحادية غير قانونية لتغيير الأمر الواقع على الأرض لتعطيل إمكانية الوصول إلى حلول نهائية على قاعدة الأرض مقابل السلام, كذلك سكتت على قيام إسرائيل ببناء جدار الفصل في الضفة الغربية وبشكل قطع أواصرها الجغرافية ووضع عراقيل معيشية أمام الفلسطينيين, وغضّت الطرف عن سياسات الاستيطان الشرسة التي ارتفعت بوتيرة غير مسبوقة منذ عام 2000 وبخاصة بعد أن دعت واشنطن إلى مؤتمر أنابوليس التحفيزي أواخر العام الماضي, إزاء ذلك لم تحرك الولايات المتحدة ساكنا عدا عن إطلاق بعض التصريحات الخجولة حول “اثار المستوطنات على المفاوضات الجارية”.

زاد الطين بلّة نغمة الاسطوانة المشروخة القديمة المتجددة في إسرائيل وبعض الأوساط الأمريكية هذه الأيام, التي تحاول الترويج لحلول لا يمكن ان تتم الا عبر دور للأردن في “ما تبقى من كانتونات معزولة في الضفة الغربية المحتلة”; حلول تأتي عبر صيغ إدارية أو دستورية لا تعالج انهاء الاحتلال الاسرائيلي الكامل للأراضي الفلسطينية المحتلة ولا تكفل إقامة دولة فلسطينية ناجزة ومتواصلة جغرافيا وقابلة للحياة ضمن حدود ما قبل 5 حزيران ,1967 كما أنها لا تضمن الإقرار بحق عودة وتعويض اللاجئين وتعويض الدول المضيفة ولا توقف مساعي إسرائيل غير القانونية في محاولة تهويد القدس بشكل يتعارض تماما مع الدور الخاص للأردن, طبقا لمعاهدة السلام.

معطوفا على ذلك إمعان إسرائيل في إدارة ظهرها لكل مساعي السلام بما فيها المبادرة العربية وقبلها خطة خارطة الطريق بالتزامن مع إضعاف وتفتيت السلطة الفلسطينية وانقلاب الحكومة الإسرائيلية, عبر أفعالها, على قوى الاعتدال العربي المؤمنة بالسلام.

اليوم يتقهقر منسوب المؤيدين لمعاهدة السلام الذين باتوا يشيرون بتهكم إلى ان الوثيقة لم تدرأ بل ربما رفعت منسوب المخاطر المحيقة بالأردن نتيجة وصفات تدفع بالأمور نحو الضغط على الأردن للقبول بأدوار تخرج إسرائيل من مأزقها السياسي عبر “تعكيمه” بقايا أوصال الضفة الغربية المقطعة بفعل الجدار والمستوطنات والحواجز والطرق الالتفافية.

هكذا طروحات مرفوضة بالكامل اردنيا وباجماع عز نظيره, وتلوح في الأفق المحلي ملامح حراك نشط يهدف الى تحصين الجبهة الداخلية ورص صفوفها خلف جدار لإجهاض تلك المؤامرات جملة وتفصيلا, وذلك عبر انفتاحات سياسية على كل القوى السياسية والمجتمعية تضمن إعلاء قيم المواطنة والمشاركة وتسعى لصياغة برامج “عصرنة للتشريعات الانتخابية” بشكل يضمن إحقاق مبدأ المساواة على أساس المواطنة من جهة ويكفل تماما عدم المساس ببنية الدولة ومؤسساتها وتماسك المجتمع من جهة اخرى.

وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة تظهر ملامح حراك أردني يدعم بالكامل الجهود التي تقوم بها مصر لاطلاق الحوار الفلسطيني الهادف إلى تحقيق مصالحة فلسطينية بين حركتي “حماس وفتح”, إذ أضحى غيابها تهديدا للأمن القومي لدول الجوار وعلى رأسها الأردن.

فالأردن معني بإعادة إنتاج جبهة فلسطينية داخلية متماسكة تلتقي عند هدف مشترك; سلام يفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة على التراب الفلسطيني تعيش بسلام الى جانب إسرائيل, كما تتفق على أن أي طرح مجتزأ يتحايل لإخراج إسرائيل من أزمتها وتجييرها للأردن. ضمن هذه الرؤية, قرّر الأردن الاستدارة نحو حركة حماس قبل أربعة أشهر بعد تسع سنوات من القطيعة, في محاولة لتأسيس علاقة شعارها: “رفض التوطين والوطن البديل وأي حلول منقوصة بدون قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة تكون مقبولة فلسطينيا وعربيا”, بحسب مسؤول أردني.

في التحليل النهائي, يظل الأردن الرسمي متمسكا بمعاهدة السلام ويتعامل معها بمسؤولية وصدقية والتزام لم يقابله, بحسب غالبية الأراء, تعامل إسرائيلي مماثل, جاد, ومسؤول يحترم نصوص الوثيقة التي أودعت لدى الأمم المتحدة, كذلك لم تحترم إسرائيل روح السلام ومرجعياته المتفق عليها بوصف السلام هدفا استراتيجيا يضمن أو يعيد أوضاعا وحقوقا دون ان يغبن احدا ودون أن يصبح- من خلال العبثية وربما سوء النوايا – وسيلة لغايات سياسية مبيتة تشكل تهديدا وجوديا لدول سعت بإخلاص لإحلاله.

من هنا ينبع التساؤل حول فحوى ومقاصد سلام مجزأ توظّفه إسرائيل اليوم لحل القضية الفلسطينية على حساب شريكها الأردني

 

 

 

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: